أحمد بن حجر الهيتمي المكي

60

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

وبيّن بعضهم ذلك بوجه آخر هو : أنه تعالى بعد أن ذكر الأنبياء المشهور كل منهم بخصلة معينة من خصال الشرف . . أمره أن يقتدي بجميعهم بقوله عز قائلا : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ، ومحال أن يقصر عن عدم امتثال ذلك ، ويلزم من امتثاله جمعه لجميع ما تفرق فيهم من صفات الكمال ، فيكون أفضل منهم بنص هذه الآية . ولمسألة التفضيل بين الملك والبشر تتمّات ذكرتها أول « شرح الأربعين حديثا » التي جمعها الإمام النووي قدّس اللّه روحه ، ونور ضريحه ، آمين « 1 » . واحتج بعضهم لأفضلية الملك على البشر بهذه الآية ، زاعما أن تقديم الملائكة عليه صلى اللّه عليه وسلم في الذّكر يقتضي تقديمهم في الأفضلية ، وليس كما زعم . أمّا أولا : ف ( الواو ) لا تفيد ترتيبا ، والتقديم الذّكري ليس نصّا في ذلك ، لكنه ظاهر فيه ، إلا أن يقوم دليل على خلافه ، وهنا قامت الأدلة على تفضيل نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، بل سائر الأنبياء على الملائكة : منها : قوله تعالى بعد ذكر جمع من الأنبياء : وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ، والملائكة من جملة العالمين . وقوله : أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ . جَزاؤُهُمْ إلخ ، والبرية : الخليقة ، والملائكة من جملتهم ، و الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا يشملون الملائكة بقرينة قوله : جَزاؤُهُمْ والملائكة لا يجازون ، بل منهم خدم لأهل الجنة ، والموكلون بجهنم وغيرهم ، وأيضا فلفظ : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مخصوص شرعا - كما قاله ابن عبد السلام - بمن آمن من البشر ، فلا تندرج فيه الملائكة بعرف الاستعمال . وقوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ وهذا يشملهم ، ولا شك أن المسخّر له مقصود بالذات ، وغيره بالعرض .

--> ( 1 ) فتح المبين لشرح الأربعين ( ص 20 ) .